زكريا القزويني
114
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
وأما الحيوانات المائية المشهورة فنذكرها إن شاء اللّه تعالى . ( بحر فارس ) هو شعبة من بحر الهند الأعظم ، من أعظم شعبها ، وهو بحر مبارك ، كثير الخير ، لم يزل ظهره مركوبا واضطرابه وهيجانه أقل من سائر البحار ، قال محمد بن زكريا : سئل عبد الغفار الشامي البحري عن مد البحار وجزرها ؟ فقال : لا يكون المد والجزر في البحر الأعظم في السنة إلا مرتين ؛ مرة يمد في شهور الصيف شرقا بالشمال ستة أشهر ، فإذا كان ذلك طما الماء في مغارب البحر وانحسر عن مشارقه . وأما بحر فارس فإنه يكون على مطالع القمر ، وكذلك بحر الصين والهند وبحر طرابزندة ، فإن القمر إذا صار في أفق من آفاق هذا البحر أخذ المد مقبلا مع القمر ولا يزال كذلك إلى أن يصير القمر إلى وسط سماء ذلك الموضع ، فيجزر الماء ولا يزال راجعا إلى أن يبلغ القمر مغربه ، فعند ذلك يكون قد انتهى الجزر إلى منتهاه ، فإذا زال القمر من مغرب ذلك الموضع ابتدء لمد هناك مرة ثانية ، إلا أنه أضعف من الأولى ، ثم لا زال كذلك إلى أن يصير القمر إلى وتد الأرض ، فحينئذ انتهى المد إلى منتهاه في المرة الثانية في ذلك الموضع ، ثم يبتدئ بالجزر والرجوع ، ولا يزال كذلك حتى يبلغ القمر أفق مشرق ذلك الموضع ، فيعود الماء على مثال ما كان عليه أولا ، ولهذا البحر مد آخر بحسب امتلاء القمر ونقصانه ، فإذا كان أول الشهر أخذ الماء في الزيادة ويزداد كل يوم إلى منتصف الشهر ، فعند ذلك بلغ المد منتهاه ، ثم يأخذ في النقصان وينقص كل يوم إلى آخر الشهر ، فعند ذلك بلغ الجزر منتهاه ، ثم يعود إلى ما كان أولا ، ويأخذ في المد . قال ابن الفقيه : بحر فارس وإن كان متصلا ببحر الهند إلا أن حالهما مختلف في السكون والاضطراب ؛ لأن بحر فارس تكثر أمواجه ويصعب ركوبه عند لين بحر الهند وسكونه ، وكذلك بحر الهند تكثر أمواجه عند سكون بحر فارس ، فأول ما تبدو صعوبة بحر فارس عند نزول الشمس ببرج السنبلة قريبة من الاستواء الخريفي ولا يزال يزداد في يوم اضطرابه حتى تصير الشمس في الحوت ، وأصعب ما يكون آخر الخريف عند نزول الشمس القوس ، فإذا قربت من الاستواء الربيعي يعود إلى السكون ، وأسهل ما يكون ظهره آخر الربيع حال نزول الشمس الجوزاء . قال أبو عبد اللّه الحسيني : خصص اللّه تعالى بحر فارس بمزيد الخيرات والفوائد والعجائب ، فإذا فيه المد والجزر وغزارة الماء ، فإن الماء فيه من سبعين ذراعا إلى ثمانين ، وفيه مغاص اللؤلؤ الجيد البالغ الذي لا يوجد مثله في شيء من البحار ، وفي جزائره معدن العقيق